تطوير التقنية ودورها في تحقيق التنمية الوطنية

إلي جانب ما توفره التقنية من سبل الراحة، وما تساهم به في رفع المستوى المعيشي للشعوب؛ فإن تطوير التقنية يلعب دوراً فعالاً في التنمية الاقتصادية في الدول الرائدة في الصناعة والتجارة؛ فلولا تطور التقنية المطرد سواء كان تطورا جذريا أو شكليا لركدت الأسواق وتوقفت عجلات الصناعة وعم الكساد. فإن انتعاش السوق يتوقف علي ما يقدمه للمستهلك من سلع حديثة، وإنتاج السلع الجديدة يقتضي زيادة الإنتاج وفتح أبواب مصانع جديدة، وتحديث مصانع قديمة، وزيادة في الأعمال المتاحة، واستئجار أيد عاملة ومهارات مدربة، وارتفاع في الكسب والإنفاق، يلي ذلك ارتفاع في القوة الشرائية، وهكذا دواليك.
لذلك تلجأ الشركات إلي تقديم تقنيات مستحدثة حتى تفسح المجال في السوق لمنتجات جديدة تحل محل منتجات قديمة. فإذا لم توجد في السوق حاجة قائمة لمنتج جديد سعت الشركات لاختلاق احتياجات، ودعمتها بتقنيات تستجيب لتلك الاحتياجات المختلقة، ثم شرعت بشن حملات دعائية تدخل في روع المستهلك أن حياته لن تستقيم دون حوزته علي ما يجد من منتجات التقنية الحديثة، وبذلك تدفع المستهلك لاقتناء كل ما هو جديد.
وكثير من الناس يقبلون علي شراء بعض المنتجات علي أمل أن يتخلصوا من مشاعر تنجم عن عدم الثقة بالنفس تصحبها غمامات من الشكوك والمخاوف والهواجس تشيعها في أنفسهم حملات الترويج لمنتجات كمالية. من بين تلك المنتجات العديد من منتجات التجميل والزينة التي تجلب الإعجاب والسعادة لمن يستخدمها، ومنها ما يدعي منتجوها أنها تغطي علي رائحة العرق أو تمنعه، ومنها ما يمنع انبعاث رائحة الفم الكريهة ، الخ.  بل إن الابتكار لم يعجز عن دخول السوق بمنتجات جديدة أو إنعاش سوق بعض منتجات قديمة تلائم ما حل بالناس من رعب إثر إعلان الحرب علي الإرهاب من مياه شرب معقمة إلي أجهزة صغيرة للكشف عن تلوث الطعام قبل شرائه من السوق،  وكيماويات وأسلحة ومعدات للدفاع عن النفس،  وأجهزة إنذار لتأمين مداخل المباني ومخارجها، وأمصال ضد تأثير الأسلحة الوبائية، وكذلك أنواع من التأمين الصحي الخاصة بعلاج الإصابات عند التعرض لهجوم إرهابي، الخ.
وإذا صمد المجتمع الاستهلاكي في وجه الحملات الدعائية وقاوم مغريات التقنيات الجديدة خوفا من مستقبل اقتصادي مجهول أو تخوفا من العوز وضيق الحال إذا ما أفرط في الشراء، خفضت السوق المالية من سعر الفائدة حتى لا يتردد في الاقتراض لشراء ما يحتاجه وما ليس له به حاجة، وصدرت قرارات حكومية بخفض الضرائب  حتى يتوفر للناس فائض من المال لشراء المزيد فتنتعش الحالة الاقتصادية ويزداد معدل النمو.
كما تلجأ الشركات إلي تطوير التقنية القائمة بسرعة هائلة لتصعيد الحركة الشرائية في السوق خشية الركود عند اكتفاء المستهلك بما في حوزته من منتجات. وبهذا نشأت تقنية الحد من العمر الفعلي  للمعدات من سيارات وجرارات وأدوات نسخ وكمبيوتر، الخ؛ رغم المقدرة علي تصميمها لتتحمل استعمال سنين طويلة دون الحاجة لتغييرها.
كما أن المكانة الاقتصادية للأمم تكاد تكون رديفاً لمدى تقدمها في مجالات التقنية المختلفة؛ فمن المتعارف عليه أن الإشارة إلي دولة ما علي أنها دولة نامية  يعني أنها لا تملك من التقنية حظا يرفعها إلي مصاف الدول المتقدمة صناعيا ، المتميزة في مجال التقنية.
بناء علي ذلك فإن الشغل الشاغل للدول النامية هو الحرص علي الاستفادة من التقنية الحديثة والتطلع إلي مضاهاة غيرها في تحسين معدل النمو. لهذا يكثر الحديث في الدول النامية عن تنشيط نقل التقنية، ولا يكاد يعقد اتفاق أو توقع معاهدة بين دولة نامية وأخرى متقدمة دون احتوائها علي بند ينص علي أن الدولة المتقدمة ستعمل علي نقل التقنية  إلي الدولة النامية وربما ترصد لذلك ميزانية خاصة. بل إن كل التعاقدات بين الشركات العالمية الخاصة والدول النامية ومؤسساتها كثيرا ما تحتوى علي باب مخصص بنقل التقنية كشرط لنفاذ العقد .
ورغم أن سبل اقتناء التقنية تكاد تكون ميسورة لكل من لديه الرغبة علي اقتنائها والعزيمة علي الاستفادة منها دون اتفاقيات أو معاهدات، إلا أن الكثير من الدول النامية تعجز عن التقدم التقني والمشاركة في تطور التقنية  وبالتالي تقعد عن أي تنمية اقتصادية أو صناعية، والبعض الآخر يلجأ إلي اقتناء ما قد يشار إليه بمخلفات التقنية التي لا تلعب دوراً حيوياً في التنمية.
ويكاد معدل التنمية الاقتصادية في أغلبية الدول النامية أن يتراجع باطراد كلما زاد الحديث فيها عن التنمية وكلما بذلت الجهد في السعي إلي نقل التقنية الحديثة. هذه الظاهرة ليست مناقضة لحقيقة أن التقنية تؤدى إلي نمو، وتطورها يزيد من معدل

التنمية. ولكن الإشكالية هنا هي في القصور عن إدراك أهداف التقنية، وتعريف نقل التقنية وتطورها، والتعرف علي العوامل المعوقة للتنمية القائمة علي أسس تطوير التقنية؛ وكذلك في عدم المقدرة علي استيعاب التقنيات الحديثة.

لهذا نتعرض هنا إلي الاختلاف في الرؤية حول تصورات الجوانب المختلفة للتقنية بين الاقتصاديات العالمية المتباينة من متقدمة، وساعية إلي التقدم، ونامية، ومتخلفة؛ ونضرب أمثلة من دول واكبت مسيرة التقدم في التقنية وما أحرزته من تنمية والسبل التي اتبعتها لتحقق طموحاتها؛ ثم نعرج إلي الدور الذي يمكن أن يلعبه تطوير التقنية في تنمية المملكة.

تطوير التقنية ودورها في تحقيق التنمية الوطنية

تطوير التقنية ودورها في تحقيق التنمية الوطنية

أهداف التقنية في الدول المتقدمة
هناك إشكالية تكمن في الاختلاف بين وضوح رؤية أهداف التقنية في الدول المتقدمة، أو الدول التي هي في سبيلها إلي التقدم والنمو الاقتصادي؛ وبين التصورات الغير واقعية للتقنية وضبابية أهداف التقنية في العديد من الدول النامية المتطلعة إلي مضاهاة الدول المتقدمة في مجالات التقنية والتنمية، فأهداف التقنية في الدول المتقدمة علي اختلاف مرتبتها من التقدم تشمل:
• تلبية حاجة قائمة في السوق المحلي ومراعاة المطالب الخاصة للمواطنين والمؤسسات القومية بهدف إنعاش السوق المحلية
• الاستجابة لمطالب السوق العالمي واحتياجات المستهلك للاستيلاء علي أكبر شريحة من السوق سعيا وراء التنمية الاقتصادية
• الحفاظ علي مركز مميز في السوق المحلي والعالمي
• التغلب علي التقنيات المنافسة لتحقيق أكبر ربح ممكن
فالدافع إلي التقدم في مجال التقنية قائم علي أساس التنمية الاقتصادية للدولة، ورفع مستوي المعيشة، والتوسع في نشاط الشركات التجارية الصناعية القائم علي التقدم التقني لتحقيق أكبر ربح ممكن.
وأما أهداف الدول الجادة في سعيها إلي التقدم في مجال التقنية وتطويرها فتشمل:
• التحرر الاقتصادي من التبعية للدول المنتجة عن طريق نقل التقنية وأقلمتها لحاجاتها الخاصة
• التنمية الاقتصادية عن طريق الخوض في معمعة تطوير التقنية الإنتاجية
• المساهمة في ابتكار التقنيات الحديثة وتشجيع تبادل المعرفة مع رواد التقنية رغبة في التفوق الاقتصادي.
وبذلك فإن أهداف التقنية في الدول المتقدمة والساعية للتقدم مختلفة عن تصور الكثيرين في الدول النامية عن التقنية. إذ أن ميلاد تقنية جديدة لا ينبت من فراغ، فأسطورة العالم الملهم الذي اخترع جهازا جديدا وهو نائم يحلم أو مضطجع يفكر، ثم استيقظ فجأة صائحا: “وجدتها!”  ما هي إلا حكاية مسلية.

التصور الشائع في الدول النامية عن التقنية
ورغم ذلك فإن الكثير من الدول النامية تظن أن التقدم التقني هو حصيلة مجهودات فكرية منفردة ونظريات علمية مشتتة هدفها الأوحد هو ابتكار تقنية جديدة، وأن السعي الحثيث للتميز في مجالات التقنية المختلفة تدفعه أهداف قومية  بحتة دون وجود أهداف واضحة للتنمية، لهذا يكثر الحديث في الدول النامية عن الرغبة في إنتاج كل شيء من الإبرة إلي الصاروخ؛ ويظن بعض المختصين في التخطيط في الدول النامية أن التقدم التقني يتحقق بقرار إداري أو بتكليف الفنيين بالقيام بنقل التقنية وتطويرها أو بإرغام الناس علي الابتكار وتطوير التقنية. وبعض الدول النامية تركز علي التنافس في المسارعة في اقتناء المنتجات المتطورة، وحث الناس علي اقتنائها، لهذا لا يتوانى أصحاب القرار في بعض الدول النامية بأن يؤكدوا علي ملأ من المريدين بأنهم سيوفرون لشعوبهم أو جنودهم كل منتجات التقنية الحديثة.
كما أن العديد من خاصة المثقفين في الدول النامية لا يميزون بين التقدم في المعرفة والعلوم والتقدم في مجالات التقنية، وبين تقدم البحوث في العلوم الأساسية وبين البحوث الهادفة إلي تطوير التقنية؛ فرغم أن التقدم في المعرفة والعلوم الأساسية يبني أسس التقدم التقني إلا أن التقدم العلمي لا يعني بالضرورة تقدم في التقنية. فمما لا جدال فيه أن الإنتاج الفكري المطلق في كثير من الدول النامية كثيرا ما يفوق الإنتاج الفكري في الدول المتقدمة، غير أن الدول المتقدمة تستغل حصاد العلوم النظرية والتطبيقية؛ الجديد منها والقديم، أيا كان مصدره، في دفع عجلة التقنية بهدف التنمية بينما تركز الدول النامية علي الأبحاث في العلوم الأساسية وتبدع فيها. ومن هذا المنطلق تساهم الدول النامية بدور غير مباشر في زرع بذور التقدم التقني والتنمية في الدول المتقدمة، لكنها تعجز عن حصاده والاستفادة من ثماره.

دور التقنية في التنمية
المتتبع لتاريخ التقنية الحديثة التي واكبت ما يسمي بالثورة الصناعية يرى أن كل الإبداعات والتقدم التقني قد نبع من حاجات قائمة للناس أو المجتمع أو الدولة وأن الدافع إلي التطوير في التقنية دافع تنمية وتوسع في السوق. فليس هناك تقنية ناجمة عن رفاهية فكرية أو تأملات علمية بحتة. لهذا فإن هناك الكثير من الابتكارات العلمية لم ترى النور ولم تتحول إلي تقنية نافعة لأنه ليس هناك حاجة إليها أو لأن دورها في التنمية غير واضح أو أن تحقيق النفع الاقتصادي منها غير مجدي. بل إن هناك الآلاف من براءات الاختراع تنتهي مدة صلاحيتها دون أن يكون لها فاعلية في توجيه التقنية أو أن تجد لها مجالا تطبيقيا يفيد الناس.
من الأمثلة الحية علي ارتباط التقنية بالتنمية أن التوسع في الملكيات الزراعية في الولايات المتحدة والتدهور في الإنتاج وانخفاض العائد من الزراعة مع زيادة التكاليف بالاعتماد علي العبيد السود المستوردين من أفريقيا أدي إلي اختراع الجرارات والمعدات الزراعية الميكانيكية لتحل محل العمالة البشرية، حتى أن كفاءة المزارع الأمريكي اقتضت مهارة في الميكانيكا تفوق مهارته الزراعية لتشغيل المعدات الزراعية وصيانتها. ومع زيادة عدد وحجم الإقطاعيات تم تطوير التقنية إلي معدات ضخمة ميكانيكية ذات كفاءة عالية في الزرع والري والحصاد.

غير أن هذا التطور في التقنية الزراعية ألحق الضرر بالإقطاعيات الصغيرة كنتيجة حتمية لتفوق الإقطاعيات الشاسعة في كفاءة الإنتاج باستخدام المعدات الزراعية الحديثة، مما دفع إلي تكوين جمعيات التضامن الريفية  لحيازة المعدات الباهظة الثمن واستخدامها بالتناوب بين المزارعين، إلا أن ذلك أثقل كاهل الفلاحين بالديون وفوائدها التراكمية ولم يعد الإنتاج كافيا لسدادها عند ارتفاع سعر الفائدة مما أدي إلي إفلاس العديد من المزارع واستيلاء البنوك علي الأراضي وبيعها للشركات الكبرى التي تملك الإقطاعيات الزراعية الكبيرة. ورغم هذه النكسة التي تأثرت منها اقتصاديات المزارع الصغيرة؛ فإن التنمية الزراعية لم تختل علي مستوى الولايات المتحدة الأمريكية للزيادة في كفاءة إنتاج المزارع الكبيرة.
بالمقارنة لم تعر الدول النامية ما يجري من أحداث في القطاع الزراعي بالولايات المتحدة الأمريكية انتباها فأقبلت علي حيازة المعدات الزراعية الضخمة كنوع من التسابق في نقل التقنية الحديثة دون أن تمهد لها بالتأهيل المهني للمزارعين ودون إدراك أن الملكيات الزراعية فيها محدودة وغالبيتها أقل مساحة من أصغر ملكية زراعية في الولايات المتحدة الأمريكية. هذا رغم أن من البديهي أن تحاول الدول النامية تطويع تقنية المعدات الزراعية لاحتياجاتها وتعديلها لملاءمة طبيعة قطاعها الزراعي بدلا من مجرد المسارعة في استيرادها كما هي. لهذا تكبدت بعض تلك الدول خسائر فادحة دون تحقيق النهضة المرتقبة في التنمية الزراعية. وعلي سبيل المثال استوردت كميات كبيرة من المعدات الزراعية لإحدى المشاريع الزراعية الكبرى في السودان، إلا أن المعدات لم تكن صالحة في أراضي المشروع الطينية مما أدى إلي تقويض المشروع برمته.
كذلك عندما اقتضت الحاجة في الولايات المتحدة الأمريكية إلي نقل المحاصيل من الحقول الزراعية المتطرفة إلي مراكز الاستهلاك الكثيف في المدن تطورت تقنية رصف الطرق السريعة  التي تتحمل وسائل نقل ثقيلة. وقد تم تشييد الطرق السريعة علي أنقاض الطرق القديمة  التي كانت تربط أنحاء البلاد الشاسعة والتي كان يستخدمها المشاة والخيول والعربات التي تجرها البغال والجياد.
بالمقارنة تستورد الدول النامية تقنية الطرق السريعة وتقوم بعض الدول بالاقتراض لإنشائها بصورة عشوائية، حتى أن كثيرا منها لا تصلح لنقل الشحنات الثقيلة، وقد لا تليق حتى بحركة سيارات السفر الخفيفة؛ لأن هدف إنعاش التجارة والتنمية يغيب عن عملية نقل التقنية. وعلي العموم فليس غريبا السعي الحثيث إلي المبالغة في إنشاء البنية التحتية رغبة في التنمية دون مراعاة لوجود بنية فوقية وما تتطلبه الحركة الصناعية والتجارية القائمة. مثل ذلك كالذي يشتري آلاف البغال والخيول ويبني لها الحظائر وينفق علي إيوائها وإطعامها إعدادا لجر عربات غير موجودة، ولا حاجة له بها لعدم وجود ما ينقله عليها.
ونظراً لأن الدافع لحيازة التقنية وتطويرها في الولايات المتحدة الأمريكية هو التنمية نجد أن طرق  الوصل بين المزارع الصغيرة الفردية القليلة الإنتاج ما زالت وعرة وغير مسفلتة.
ونظرا لأن الحقول الزراعية في الولايات المتحدة الأمريكية متباعدة في المسافات وبعيدة عن القرى والمدن كان لزاما علي المزارع أن يقتني عربات للنقل تسهل حركاته في التعامل مع السوق، لهذا قدمت التقنية الحديثة سيارات نقل صغيرة تتحمل مشقة الاستخدام في الأراضي الوعرة والممهدة.
ولما كان المزارع الأمريكي قادر علي الحصول علي قدر كبير من التقاوي من المحاصيل التي ينتجها كدأب آبائه وأجداده من قبل، فقد سبب ذلك في ركود سوق التقاوي. لهذا قامت شركة مونسانتو  الأمريكية بابتكار تقنية جديدة لإنتاج تقاوي صالحة للاستعمال مرة واحدة، سعيا لإنعاش السوق، وحتى يزداد ربح الشركة ويزداد الإقبال عليها فقد أدخلت في تركيب التقاوي مبيدات للآفات الزراعية وبهذا ارتفع سعر التقاوي، وزادت تكاليف الزراعة، وارتفعت أسعار المحاصيل الزراعية.
ولم تسلم المنتجات الزراعية من حملة تطوير تقنية المحاصيل، لكسب أسواق جديدة فتفشت عملية التهجين  لإنتاج فواكه جديدة، تجذب اهتمام المستهلك؛ وقامت مؤسسات الأبحاث الزراعية بعمليات هندسة جينات  الغلال للزيادة في إنتاج المحاصيل وتعديلها لتلائم متطلبات المستهلك ومنع تلفها أثناء الخزن مع الزيادة في الربح. وكذلك أسفرت أبحاث الطعام عن منتجات مستحدثة لتلبية حاجة المستهلك فقامت بتوليفة لبيض خال من الكلسترول  لمن عزف عن أكل البيض، ولاستخلاص اللبن من فول الصويا  لمن لديه حساسية من اللاكتوز  الموجود في اللبن الطبيعي ويريد خفض نسبة الدهون في الأكل. ولا تكاد تمر فترة من الزمن دون أن يخرج منتج جديد مستخرج من فول الصويا كبديل للحم والسمك والجبن له مذاق وتركيبة مشابهة للمنتج الطبيعي.
كما أن تقنية بعض المعدات المنزلية الحديثة ابتكرت لسد حاجة اقتصادية ملحة وتطورات نجمت عن تغير أحوال المجتمع؛ فتقنية غسالة الملابس علي سبيل المثال بدأت في المناطق الريفية ومراعي البقر التي كانت تعتمد علي أيدي عاملة محدودة كلها مشغولة بالإنتاج الزراعي والحيواني، فقدمت التقنية حلا لمشكلة غسيل الملابس باليد؛ وذلك بوضع الملابس الملوثة بالطين والدم والسماد والروث مع الصابون في برميل تديره المرأة يدويا؛ عن طريق كرنك ، لفترة كافية للتنظيف، ثم تعيد الكرة بتغيير الماء لشطف الملابس، عقب ذلك تنشر الملابس في الهواء الطلق حتى تجف. وإذا كان هناك عجلة أو عوق المطر عملية التجفيف نشر الغسيل إلي جانب أفران التدفئة، أو وضعت الملابس المبتلة في وعاء مثقوب يدار باليد لتعريض الملابس للحرارة حتى تجف. وهكذا تطورت تقنية غسل الملابس لينجم عنها الغسالات الأتوماتيكية  والنشافات الكهربائية  أو التي تعمل بالغاز الطبيعي، فالغسالة الحديثة ما هي إلا صورة متطورة من البرميل الذي كان يدار باليد. وتم تصميم مجففات الملابس علي نفس المنوال.
ولما كان هناك حاجة ماسة في المناطق التي تعاني من نقص في المياه إلي غسالات لا تستهلك كمية كبيرة من الماء قدمت التقنية التنظيف الجاف للملابس ، كما تسعي التقنية الحديثة إلي استخدام الطاقة الصوتية  في تنظيف الملابس مع الحد من استخدام المياه.
كذلك بدأت تقنية غسالات الأطباق في عمليات غسيل الأطباق لجماعات كبيرة وتطورت لتنتج الغسالة الأوتوماتيكية لأوعية الطعام . وفي الوقت الحاضر هناك حاجة إلي غسالات تستخدم القليل من الماء أو لا تستخدم الماء علي الإطلاق علي السفن البحرية؛ فأنتجت شركة التقنية العالمية  غسالة تستخدم الرمل في تنظيف الأوعية.ولقد شاهدت كل الحروب؛ التي اندلعت من جراء احتداد المنافسة علي السيطرة علي الأسواق التجارية والهيمنة علي المصادر الطبيعية المحدودة بهدف التنمية الاقتصادية، عصرا ذهبيا في مجالات عديدة من التقنية نظرا للحاجة الملحة إلي التفوق في ميدان القتال؛ من بين تلك التقنيات البارود والأسلحة الصغيرة والمدافع وعابرات المحيطات والمدرعات والصواريخ والطاقة النووية وحاملات الطائرات والرادار، الخ.
وعقب الحرب العالمية الثانية التي اندلعت نتيجة إثقال كاهل ألمانيا بالديون والعمل علي الخروج من الركود الاقتصادي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والتنافس علي الأسواق العالمية بدأت تقنية الفضاء، والاستشعار من بعد، وازدهرت تلك التقنيات لسد حاجة ملحة إلي رصد المنتجات الزراعية ومصادر المياه والطاقة ومناجم المعادن في مختلف المناطق الجغرافية، والتعرف علي حالة الأسواق في كل مكان علي وجه الأرض، إلي جانب التجسس علي الاستعدادات والتحركات الحربية كجزء من الحرب الباردة، أو للتخطيط الاستراتيجي سعياً للسيطرة علي منابع الثروات. أما ما نجم عن برنامج الفضاء من معرفة عامة فهي إما نتائج عفوية أو اكتشافات اقتضتها الحاجة لتطوير التقنية. كذلك فإن تطوير التقنيات الناجمة عن برنامج الفضاء من أجهزة إلكترونية ومعدات فقد كان الدافع له هو حاجة في السوق ورغبة من الشركات في خلق حاجات تدفع المستهلك لاقتناء كل ما هو جديد حتى تفسح المجال في السوق لمنتجات جديدة تحل محل المنتجات القديمة.
ولقد صدر مؤخراً قرار في الولايات المتحدة الأمريكية يلزم الشركات القائمة علي تطوير التقنية الحربية بأن تجد لكل تقنية حربية جديدة تطبيقات مدنية تؤدي إلي إنتاج منتجات تجارية مربحة أو الحرص علي أن يكون لكل منتج استخدام حربي وآخر مدني ؛ وذلك إسهاما في التنمية الاقتصادية القومية.
ومن إنجازات تطوير التقنية إيجاد استخدامات مفيدة للنفايات النووية المشعة الناتجة من عمليات إخصاب الوقود النووي لمفاعلات الطاقة ولصناعة القنابل والرءوس النووية؛ إذ أن نظائر  اليورانيوم الفائضة بعد عملية التخصيب  عبارة عن معادن ثقيلة عالية الكثافة وشديدة الصلابة، بينما شكلت النفايات النووية؛ التي كانت تتراكم دون إيجاد وسيلة مجدية اقتصاديا لخزنها أو التخلص منها، خطرا علي البيئة خاصة المياه الجوفية. فلقد نجحت تقنية الفلزات في استخدام اليورانيوم المنضب  في إنتاج أجسام مدرعات متينة يصعب علي الصواريخ التقليدية اختراقها، وكذلك إنتاج صواريخ تستطيع اختراق الدبابات والمدرعات التقليدية بسهولة متناهية. كما قامت تقنية صناعة اليورانيوم المنضب بإنتاج أثقال توازن  للطائرات، ولكنها فشلت في ترويج بعض المنتجات المستخدمة في الحياة اليومية لتخوف الناس من مخاطر الإشعاع. وكان لهذه التقنية تأثير كبير علي التنمية الاقتصادية لما ترتب عليها من ترويج للصناعات الحربية الأمريكية وإقبال السوق علي ما قدمت التقنية من منتجات حديثة تضمن التفوق الحربي.

 

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أ.د. عصام بن يحي الفيلالي

أ.د. عصام بن يحي الفيلالي

استشاري دراسات استراتيجية